محمد جواد مغنية
16
في ظلال نهج البلاغة
أصحابه عسيرة أشد العسر ، أرادهم للدفاع عن أنفسهم وعن الإسلام الذي بدأت شمسه تميل إلى الغروب . . فآثروا حياة الدعة مع الذل والهوان على الكرامة مع الجهاد والتضحية ، فشكى الإمام وتألم ، وحذّرهم من سوء العاقبة ، وقرّعهم في العديد من خطبه وأقواله . . ولكن بلا جدوى حتى كأنه كان يطلب النصر منهم لمصلحته ، لا لمصلحة الإسلام والمسلمين ، فصبر على الخطب ، بل حمد اللَّه عليه تماما كما يحمده على السراء . ( ان أمهلتم - إلى - نكصتم ) . الخطاب للرؤساء وأصحاب النفوذ ، والمعنى لا أدري ما ذا يصلحكم . إن تلطفت بكم وأرفقت تماديتم في الباطل ، وإن ألجأتكم إلى الحرب تخاذلتم وضعفتم ، وان رأيتم قلوب المسلمين معي شاغبتم وتآمرتم . . ( لا أبا لغيركم ) . تستعمل العرب هذه الكلمة عند المسألة والطلب ، وهي تومئ إلى الدعاء بفقد الأب ، أو التعيير بجهله ، ولكن الإمام تلطف في الأسلوب حيث وجه الدعاء أو الذم إلى غيرهم في الظاهر ، وهم القصد حقيقة وواقعا . ( ما تنتظرون بنصركم والجهاد على حقكم ) . العدو يستفزكم ، ويتغلغل في أرضكم ، ويعتدي على كرامتكم ، وأنتم لا تحركون ساكنا هل تنتظرون قوة تنزل من السماء لنصرتكم ، أو قوة أجنبية تأتي من أقصى المعمورة تدافع عنكم ( الموت أو الذل لكم ) . . أبدا لا شيء يليق بكم إلا واحد من اثنين : الذل والهوان ما دمتم على هذه الحال ، أو الموت يفنيكم عن آخركم ، فهو خير لكم وللإنسانية من حياتكم . قال ابن أبي الحديد : « هذا دعاء من الإمام عليهم . . وقد استجاب اللَّه دعاءه ، فإن شيعته أيام الأمويين ذلوا كفقع قرقر » . والفقع أو الفقاقيع نفاخات تعلو الماء ، وأراد بالقرقر - كما نظن - لعاب الجمل حين يهدر ويجرجر . ( فو اللَّه لئن جاء يومي - إلى - كثير ) . سأفارقكم بالموت لا محالة ، ولكن عن بغض وكراهية لكم ولصحبتكم ، لأني ما كنت بكم قويا على الباطل وأهله . . ومن أجل هذا نطق الإمام بكلمة السرور والفرحة حين ضربه اللعين ابن ملجم : فزت ورب الكعبة ( أما دين يجمعكم ، ولا حمية تشحذكم ) . أتدّعون الإسلام ، والخلافات تستنزف منكم الدين وكل ما تملكون من طاقات . وإذا لم يكن لكم دين فلتكن لكم حمية وأنفة تبعثكم على الدفاع عن أرضكم وكرامتكم .